عبد القادر الجيلاني
67
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
بصرك عن زينتها . وسدّ أنفك عما يفوح من روائحها وشهواتها ولذاتها ، فتنجو منها ومن آفاتها ويصل إليك قسمك منها وأنت مهنأ ، قال اللّه تعالى لنبيه المصطفى صلى اللّه عليه وسلم : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) [ طه : الآية 131 ] . المقالة السادسة في الفناء عن الخلق قال رضي اللّه تعالى عنه وأرضاه : « افن عن الخلق بإذن اللّه تعالى ، وعن هواك بأمر اللّه فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ المائدة : الآية 23 ] وعن إرادتك بفعل اللّه تعالى ، وحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم اللّه تعالى ، فعلامة فنائك عن خلق اللّه تعالى انقطاعك عنهم وعن التردد إليهم واليأس مما في أيديهم ، وعلامة فنائك عن هواك ترك التكسب والتعلق بالسبب في جلب النفع ودفع الضر فلا تحرك فيك ولا تتعمد عليك لك ولا تذب عنك ولا تنفر نفسك ، تكل ذلك كله إلى اللّه تعالى لأنه تولاه أولا فيتولاه آخرا ، كما كان ذلك موكولا إليه في حال كونك مغيبا في الرحم ، وكونك رضيعا طفلا في مهدك وعلامك فنائك عن إرادتك بفعل اللّه أنك لا تريد مرادا قط ، ولا يكون لك غرض ، ولا يبقى لك حاجة ولا مرام ، فإنك لا تريد مع إرادة اللّه سواها ، بل يجري فعل اللّه فيك ، فتكون أنت عند إرادة اللّه وفعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان منشرح الصدر منور الوجه عامر البطن غنيّا عن الأشياء بخالقها ، تقلبك يد القدرة ، ويدعوك لسان الأزل ، ويعلمك رب الملل ، ويكسوك أنوارا منه والحلل ، وينزلك من أولى العلم الأول . فتكون منكسرا أبدا . فلا يثبت فيك شهوة وإرادة كالإناء المنثلم الذي لا يثبت فيه مائع وكدر ، فتنقى عن أخلاق البشرية . فلن يقبل باطنك شيئا غير إرادة اللّه عزّ وجلّ ، فحينئذ يضاف إليك التكوين وحرق العادات ، فيرى ذلك منك في ظاهر الفعل والحكم ، وهو فعل اللّه وإرادته حقّا في العالم ، فتدخل في زمرة المنكسرة قلوبهم الذين كسرت إرادتهم البشرية وأزيلت شهواتهم الطبيعية فاستؤنفت لهم إرادة ربانية كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب ، والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة » فأضيف ذلك بعد أن خرج منه وزال عنه تحقيقا بما أشرنا ، وتقدم . قال اللّه تعالى : « أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي » ، فإن اللّه تعالى لا يكون عندك حتى تنكر جملة هواك وإرادتك ، فإذا انكسرت ولم يثبت فيك شيء أنشأك اللّه فجعل فيك